ذات الرداء الأخضر

د. غادة النادي

د. غادة النادي

عنواني الإلكتروني على جامعة هارڤارد يوشك أن يغلق إن لم أقم بتجديده قبل يوم (٧-٨)، منذ يوم (١٥-٧) وأنا أتلقى رسائل من قسم (الآي تي) من أجل أن أقوم باتخاذ اللازم من نقل ملفاتي وعناوين أساتذتي وزملائي وكل شيء مهم موجود على هذا البريد!

لم أقم بعمل بأي شيء حتى اليوم فكلنا في إجازة ولا حاجة لي للتواصل العلمي عليه حاليًا..
فأرسلوا لي: "لاحظنا أنكِ لم تجمعِ أي داتا من بريدك، أو حتى سجلتي دخول، سيتم تمديد المدة شهر آخر حتى تقومي بجمع البيانات وعمل اللازم"!

وبشكل لا إرادي أحالني قلبي على هذه الصورة للطفلة الفلسطينية من قطاع غزة، التي كانت ترتدي ثوبًا أخضرًا، وتقوم بجمع بقايا كتابها وكراستها من تحت الأنقاض ومن بين الركام..

هذه الصورة التي أعتبرها الآن واحدة من مصادر إلهامي وقوتي وثباتي، كلما أعياني العجز أو تغلب علىّ الأسى والحزن، على هذه الجميلة (ذات الرداء الأخضر) التي ما أمهلوها ساعة واحدة حتى تستجمع كتبها ودفاترها، وآخر خيوط أمل تبقت لها، إلا أنها أصرت أن تودع أحبتها وتكفكف دمعتها، وتطيب جراحها النازفة بيد، وبالأخرى -تقف عزيزة أبية بقوة وثبات- تلملم دفاترها من بين الأشلاء والركام والدماء، معلنة للكون كله: أنا هنا لم أنكسر، أنا هنا لأكون وسأكون!

يومًا ما يا غزة ستكون جميع قصصكِ على أبواب هارڤارد، أعظم صرح علمي في العالم..
يقولون عنها: "هى مصنع العمالقة والعباقرة والعظماء"، هذا لأنهم لم يروا عظماءنا وشهداءنا ومن خلفوا من بعدهم، يومًا ما سيتعلم العالم كله منكِ ومن قصصهم معاني اليقين والإيمان والصمود والإرادة، والفلاح!

نعم في زيارتي لهارڤارد رأيت على أبوابها غزة والموصل وبغداد وصنعاء، والقاهرة وطرابلس ودمشق.. هنا على أبواب هارڤارد كما كانوا يومًا على أبواب الأندلس وڤيينا والنمسا، فمن منا قد أعد العدة وأهّل نفسه، ومن يعول ليوم مثل هذا؟!

إن كان أمامنا عقود أو قرون، فثمار الازدهار منذ أن خلق الله الأرض وما عليها تحتاج (نواة)، ريها أزكى الدماء وتربتها جهاد وبيعة مع الله وثمارها حضارة تملأ الدنيا عدلاً بعد أن ملئت ظلمًا وجورًا، فمن لها؟!

التعليقات

تعليقك على المقال

استمع للبث المباشر